ابن الجوزي
324
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : ( استغفر لهم أو لا تستغفر لهم ) سبب نزولها : أنه لما نزل وعيد اللامزين قالوا : يا رسول الله استغفر لنا ، فنزلت هذه الآية ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " سوف أستغفر لهم أكثر من سبعين ، لعل الله يغفر لهم " فنزل قوله [ تعالى ] : ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) . قاله أبو صالح عن ابن عباس . وظاهر قوله : " استغفر لهم " الأمر ، وليس كذلك ، إنما المعنى : إن استغفرت ، وإن لم تستغفر ، لا يغفر لهم ، فهو كقوله [ تعالى ] : ( أنفقوا طوعا أو كرها ) ، وقد سبق شرح هذا المعنى هناك ، هذا قول المحققين . وذهب قوم إلى أن ظاهر اللفظ يعطي أنه إن زاد على السبعين ، رجي لهم الغفران . ثم نسخت بقوله [ تعالى ] : ( سواء عليهم استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم ) . فإن قيل : كيف جاز أن يستغفر لهم ، وقد أخبر بأنهم كفروا ؟ فالجواب : أنه إنما استغفر لقوم منهم على ظاهر إسلامهم من غير أن يتحقق خروجهم عن الإسلام ، ولا يجوز أن يقال : علم كفرهم ثم استغفر . فإن قيل : ما معنى حصر العدد بسبعين ؟ فالجواب : أن العرب تستكثر في الآحاد من سبعة ، وفي العشرات من سبعين . فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون ( 81 ) قوله تعالى : ( فرح المخلفون ) يعني المنافقين الذين تخلفوا عن رسول الله في غزوة تبوك . والمخلف : المتروك خلف من مضى . " بمقعدهم " أي : بقعودهم . وفي قوله [ تعالى ] : ( خلاف رسول الله ) قولان : أحدهما : أن معناه : بعد رسول الله ، قاله أبو عبيدة . والثاني : أن معناه : مخالفة رسول الله ، وهو منصوب ، لأنه مفعول له ، فالمعنى : بأن قعدوا لمخالفة رسول الله ، قاله الزجاج . وقرأ ابن مسعود ، وابن يعمر ، والأعمش ، وابن أبي عبلة : " خلف رسول الله " ، ومعناها : أنهم تأخروا عن الجهاد . وفي قوله [ تعالى ] : ( لا تنفروا في الحر ) قولان : أحدهما : أنه قول بعضهم لبعض ، قاله ابن إسحاق ، ومقاتل . والثاني : أنهم قالوه للمؤمنين ، ذكره الماوردي . وإنما قالوا هذا ، لأن الزمان كان حينئذ شديد الحر . ( قل نار جهنم أشد حرا ) لمن خالف أمر الله . وقوله [ تعالى ] ( يفقهون ) معناه : يعلمون . قال ابن فارس : الفقه : العلم بالشئ . تقول :